الأربعاء 15 سبتمبر 2021

أسخى الناس

روي عن الهيثم بن عدي أنه قال: تمارى ثلاثة نفر في الأجواد، فقال رجل : أسخى الناس في عصرنا هذا عبد الله بن جعفر، فقال الآخر: أسخى الناس: قيس بن سعيد بن عبادة، فقال الآخر: بل أسخى الناس اليوم عرابة الأوسي، فتنازعوا بفناء الكعبة، فقال لهم رجل: لقد أفرطتم في الكلام، فليمض كل واحد منكم إلى صاحبه يسأله حتى ننظر بما يعود، فنحكم على العيان.
فقام صاحب ابن جعفر فوافاه، وقد وضع رجله في ركاب راحلته يريد ضيعة له، فقال الرجل: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سبيل ومنقطع به، قال: فأخرج رجله، وقال: ضع رجلك واستو على الناقة، وخذ ما في الحقيبة، وكان فيها مطارف خز وأربعة آلاف دينار.
ومضى صاحب قيس، فوجده نائما فقالت له جارية لقيس: ما حاجتك؟ فقال: ابن سبيل ومنقطع به، فقالت له الجارية: حاجتك أهون من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس اليوم غيرها، وامض إلى معاطن الإبل ، فخذ راحلة من رواحله، وما يصلحها، وعبدا، وامض لشأنك، قيل: إن قيسا لما انتبه أخبرته الجارية بما صنعت، فأعتقها، ولو لم تعلم أن ذلك يرضيه ما جسرت أن تفعله، فخلق خدم الرجل مقتبس من خلقه.
ومضى صاحب عرابة، فوجده قد خرج من منزله يريد الصلاة، فقال: يا عرابة ابن سبيل ومنقطع به. وكان معه عبدان، فصفق بيده اليمنى على اليسرى، وقال: أواه أواه، والله ما أصبح ولا أمسى الليلة عند عرابة شيء، ولا تركت له الحقوق مالا، ولكن خذ هذين العبدين، فقال الرجل:والله ما كنت بالذي يسلبك عبديك، فقال: إن أخذتهما، وإلا فهما حران لوجه الله تعالى، فإن شئت، فأعتق، فأخذ الرجل العبدين ومضى. ثم اجتمعوا وذكروا قصة كل واحد، فحكموا لعرابة لأنه أعطى على جهد.

عن الأخفش الصغير قال: كان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه قدرا وأكثرهم أدبا، وأفصحهم لسانا، وأثبتهم جنانا، فطال عمره ونكبه دهره ، فخرج عشية ينتفل لأهله ، فمر به عميلة الفزاري، فسلم عليه، وقال: ما أصارك يا عم إلى ما أرى؟ فقال: بخل مثلك بماله وصون وجهي عن مسألة الناس، قال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله، فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت له: لقد غرك كلام غلام في جنح الليل. قال: فكأنما ألقمت فاه حجرا وبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان وقت السحر سمع رغاء الإبل وصهيل الخيل تحت الأموال، فقال: ما هذا؟ قالوا: عميلة قد قسم ماله شطرين، وبعث إليك بشطره، فأنشأ يقول:

رآني على ما بي عميلة فاشتكى

إلى ماله حالي فواسى وما هجر

ولما رأى المجد استعيرت ثيابه

تردّى رداء سابغ الذيل واتزر

غلام حباه الله بالحسن يافعا

له سيمياء لا تشقّ على البصر

كأنّ الثريا علّقت في جبينه

وفي أنفه الشعرى وفي جيده القمر

قيل: إن شاعرا قصد خالد بن يزيد، فأنشده شعرا يقول فيه:

سألت الندى والجود حرّان أنتما

فقالا يقينا إنّنا لعبيد

فقلت ومن مولاكما فتطاولا

إليّ وقالا خالد ويزيد

فقال: يا غلام أعطه مائة ألف درهم، وقل له: إن زدتنا زدناك فأنشد يقول:

كريم كريم الأمهات مهذّب

تدفّق يمناه الندى وشمائله

هو البحر من أي الجهات أتيته

فلجّته المعروف والجود ساحله

جواد بسيط الكف حتى لو انه

دعاها لقبض لم تجبه أنامله

فقال يا غلام: أعطه مائة ألف درهم، وقل له إن زدتنا زدناك، فأنشد يقول:

تبرّعت لي بالجود حتى نعشتني

وأعطيتني حتى حسبتك تلعب

وأنبتّ ريشا في الجناحين بعدما

تساقط مني الريش أو كاد يذهب

فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى

حليف الندى ما للندى عنك مذهب

فقال يا غلام: اعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فقال: حسب الأمير ما سمع، وحسبي ما أخذت وانصرف.

شاهد أيضاً

معلقة الأعشى

ودِّع هريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ وهل تطيقُ وداعاً أيُّها الرجلُ غرّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارضها تمشي …