الأربعاء 15 سبتمبر 2021

أمثال عن ألسنة الحيوانات

أراد أسد مرة أن يفترس ثوراً فلم يجسر عليه لشدته. فمضى إليه متملقاً قائلاً: قد ذبحت خروفاً سميناً وأشتهي أن تأكل عندي هذه الليلة منه. فأجاب الثور إلى ذلك. فلما وصل إلى العرين ونظره فإذا الأسد قد أعد حطباً كثيراً وخلاقين كباراً فولى هارباً. فقال له الأسد: ما لك وليت بعد مجيئك إلى هنا. فقال له الثور: لأني علمت أن هذا الاستعداد لما هو أكبر من الخروف

زعموا أنه كان لبعضهم حمار قد أبطرته الراحة وثور قد أذله التعب. فشكا الثور أمره يوماً إلى الحمار وقال له: هل لك يا أخي أن تنصحني بما يريحني من تعبي هذا الشديد. فقال له الحمار: تمارض ولا تأكل علفك فإذا كان الصباح ورآك صاحبنا هكذا تركك ولم يأخذك للحراثة فتستريح. قالوا: وكان صاحبهما يفهم بلسان الحيوانات ففهم ما دار بينهما من الحديث. ثم إن الثور أخذ بنصيحة الحمار وعمل بموجبها. ولما أقبل الصباح حضر صاحبهما فرأى الثور غير آكل علقه فتركه وأخذ الحمار بدله. وحرث عليه كل ذلك اليوم. حتى كاد يموت تعباً. فندم على نصيحته للثور. ولما رجع عند المساء قال له الثور: كيف حالك يا أخي. فقال: بخير غير أني سمعت اليوم ما قد هالني عليك. فقال له الثور: وما ذاك. قال الحمار: سمعت صاحبنا يقول إذا بقي الثور هكذا مريضاً يجب ذبحه لئلا نخسر ثمنه. فالرأي الآن أن ترجع إلى عادتك وتأكل علفك خوفاً من أن يحل بك هذا الأمر العظيم. فقال له الثور: صدقت. وقام للحال إلى علفه فأكله. فعند ذلك ضحك صاحبهما

حكى أن الثعلب مر في السحر بشجرةٍ فرأى فوقها ديكاً. فقال له: أما تنزل نصلي جماعةً. فقال: إن الإمام نائمٌ خلف الشجرة فأيقظه. فنظر الثعلب فرأى الكلب وولى هارباً. فناداه الديك ما تأتي لنصلي. فقال: قد انتقض وضوئي فأصبر حتى أجدد لي وضوءً وأرجع

ذكر ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء. قال: مرض الأسد فعادته السباع والوحوش ما خلا الثعلب فنم عليه الذئب. فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر الثعلب أعلمه الذئب بذلك. وكان قد أخبر بما قاله الذئب. فقال الأسد: أين كنت يا أبا الفوارس. فقال: كنت أطلب لك الدواء. قال: وأي شيءٍ أصبت. قال: قيل لي: خرزةٌ في عرقوب أبي جعدة. قال: فضرب الأسد بيده في ساق الذئب فأدماه. ولم يجد شيئاً. وخرج دمه يسيل على رجله. وأنسل الثعلب. فمر به الذئب فناداه: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فأنظر ما يخرج منك. فإن المجالس بالأمانات

زعموا أن قرداً يقال له ماهر كان ملك القردة وكان قد كبر وهرم. فوثب عليه قرد شاب من بيت المملكة فتغلب عليه وأخذ مكانه. فخرج هارباً على وجهه حتى انتهى إلى الساحل. فوجد شجرة تين فارتقى إليها واتخذها له مقاماً. فبينما هو ذات يوم يأكل من ثمرها. إذ سقطت من يده تينة في الماء فسمع لها صوتاً وإيقاعاً. فجعل يأكل ويرمي في الماء فأطربه ذلك فأكثر من تطريح التين فيه. وكان ثم غيلم ( الغيلم هو ذكر السلحفاة ) كلما وقعت تينة أكلها. فلما أكثر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله فرغب في مصادقته وأنس إليه وكلمه. وألف كل واحد منهما صاحبه. وطالت غيبة الغيلم على زوجته. فجزعت عليه وشكت ذلك إلى جارة لها وقالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض سوء فاغتاله. فقالت لها: إن زوجك بالساحل قد ألف قرداً وألفه القرد. فهو مؤاكله ومشاربه ومجالسه. ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله. فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة. فقال لها: ما لي أراك هكذا فأجابته جارتها: إن قرينتك مريضة مسكينة. وقد وصفت لها الأطباء قلب قرد وليس لها دواء سواه. فقال: هذا أمر عسير من أين لنا قلب قرد ونحن في الماء ولكن سأشاور صديقي. ثم انطلق إلى ساحل البحر فقال له القرد: يا أخي ما حبسك عني. قال له الغيلم: ما ثبطني عنك إلا حيائي. كيف أجازيك على إحسانك إلي وإنما أريد الآن أن تتم هذا الإحسان بزيارتك لي في منزلي. فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة كثيرة الأثمار. فاركب ظهري لأسبح بك. فرغب القرد في ذلك ونزل فامتطى ظهر الغيلم. حتى إذا سبح به ما سبح عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر فنكس رأسه. فقال هل القرد: مالي أراك مهتماً. فقال الغيلم: إنما همي لأني ذكرت أن قرينتي شديدة المرض. وذلك يمنعني عن كثير مما أريد أن أبلغكه من الإكرام والإلطاف. قال القرد: إن الذي أعتقد من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف. قال الغيلم: أجل. ومضى بالقرد ساعة ثم توقف به ثانية. فساء ظن القرد وقال في نفسه: ما احتباس الغيلم وبطؤه إلا لأمر. ولست آمناً أن يكون قلبه قد تغير علي وحال عن مودتي فأراد بي سوءاً. فإن لا شيء أخف وأسرع تقلباً من القلب. ويقال: ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن التماس ما في نفسه أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر وفي كل لحظة وكلمة. وعند القيام والقعود وعلى كل حال. وإنه إذا دخل قلب الصديق من صديقه ريبة. فليأخذ بالحزم في التحفظ منه ويتفقد ذلك في لحظاته وحالاته. فإن كان ما يظن حقاً ظفر بالسلامة. وإن كان باطلاً ظفر بالحزم ولم يضره. ثم قال للغيلم: ما الذي يحبسك ومالي أراك مهتماً كأنك تحدث نفسك مرة أخرى. قال: يهمني أنك تأتي منزلي فلا تلقى أمري كما أحب لأن زوجتي مريضة. قال القرد: لا تهتم. فإن الهم لا يغني عنك شيئاً. ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية والأغذية. فإنه يقال: يبذل ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة. وفي وقت الحاجة. وعلى الزوجة. قال الغيلم: صدقت. وإنما قالت الأطباء: إنه لا دواء لها إلا قلب قرد. فقال القرد في نفسه: وا سوءتاه لقد أدركني الحرص والشره على كبر سني حتى وقعت في شر مورط. ولقد صدق الذي قال: يعيش القانع الراضي مستريحاً مطمئناً. وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب. وإني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه. ثم قال للغيلم: وما منعك أن تعلمني حتى كنت أحمل قلبي معي. وهذه سنة فينا معاشر القردة إذا خرج أحدنا لزيارة صديق له خلف قلبه عند أهله أو في موضعه. لننظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وما قلوبنا معنا. قال الغيلم: وأين قلبك الآن. قال: خلفته في الشجرة فإن شئت فارجع بي إليها حتى آتيك به. ففرح الغيلم بذلك ورجع بالقرد إلى مكانه. فلما قارب الساحل وثب القرد عن ظهره فارتقى الشجرة. فلما أبطأ على الغيلم ناداه يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد عقتني. فقال القرد. هيهات ولكنك احتلت علي وخدعتني بمثل خديعتك. واستدركت فارط أمري. وقد قيل: الذي يفسده الحلم. لا يصلحه إلا العلم. قال الغيلم: صدقت. إلا أن الرجل الصالح يعترف بزلته. وإذا أذنب ذنباً لم يستحي أن يؤدب. وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها. كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض ينهض ويعتمد. فهذا مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها

شاهد أيضاً

معلقة الأعشى

ودِّع هريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ وهل تطيقُ وداعاً أيُّها الرجلُ غرّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارضها تمشي …